ابن حمدون
345
التذكرة الحمدونية
أن يتعشّى بك . وانصرف الغضبان فنزل رملة كرمان ، وهي أرض شديدة الرمضاء ، فبينا هو كذلك إذ ورد عليه أعرابي من بني بكر بن وائل على فرس له يقود ناقة ، فقال : السلام عليك ، فقال الغضبان : السلام كثير وهي كلمة مقولة . قال الأعرابيّ : ما اسمك ؟ قال : أخذ . قال : أفتعطي ؟ قال : لا أحبّ أن يكون لي اسمان . قال : من أين أقبلت ؟ قال : من الدلول . قال : وأين تريد ؟ قال : أمشي في مناكبها . قال : من عرض اليوم ؟ قال : المتقون . قال : فمن سبق ؟ قال : الفائزون . قال : فمن غلب ؟ قال : حزب اللَّه . قال : فمن حزب اللَّه ؟ قال : هم الغالبون . فعجب الأعرابي من منطقه ، قال له : أتقرض ؟ قال : إنما تقرض الفارة . قال : أفتسمع ؟ قال : إنما تسمع القينة . قال : أفتنشد ؟ قال : إنما تنشد الضالَّة . قال : أفتقول ؟ قال : إنما يقول الأمير . قال : تتكلم ؟ قال : كلّ متكلم . قال : أفتنطق ؟ قال : إنما ينطق كتاب اللَّه . قال : أفتسمع ؟ قال : حدّثني حتى أسمع . قال : أفتسجع ؟ قال : إنما تسجع الحمامة . قال الأعرابي : تاللَّه ما رأيت كاليوم قطَّ ، قال : بلى ولكنك نسيت . قال الأعرابي : فكيف أقول ؟ قال : لا أدري واللَّه . قال الأعرابي : كيف ترى فرسي هذا ؟ قال الغضبان : هو خير من آخر شرّ منه وآخر خير منه وأفره منه . قال الأعرابي : إني قد علمت ذاك ، قال : لو علمت لم تسألني . قال الأعرابي : إنك لمنكر ، قال الغضبان : إني لمعرّف . قال : ليس ذلك أريد ، قال : فما تريد ؟ قال : أردت إنك لعاقل ، قال : أفتعقل بعيرك هذا ؟ قال : لا ، أفتأذن لي فأدخل عليك ؟ قال الغضبان : وراءك أوسع لك . قال الأعرابي : قد أحرقتني الشمس ، قال : الساعة يفيء عليك الفيء . قال الأعرابي : إن الرمضاء قد آذتني ، قال : بل على قدمك . قال : قد أوجعني الحرّ ، قال الغضبان : ما لي عليك سلطان . قال الأعرابي : إني لا أريد طعامك ولا شرابك ، قال : لا تعرّض بهما ، فو اللَّه لا تذوقهما . قال الأعرابي : أما عندك غير هذا ، قال : بلى هراوتان أضرب بهما رأسك . قال الأعرابي : واللَّه إني لأظنّك مجنونا ، فقال الغضبان : اللَّهمّ اجعلني ممّن يرغب